أبو علي سينا

97

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الروح الذي هو مركّب الحس والحركة وتهيئة لقبوله إياهما إذا حصل في الدماغ ، وتجعله بحيث يعطي ما يفشو فيه الحياة ومسكن هذه القوى ومصدر فعلها هو القلب . وأما الحكيم الفاضل " أرسطوطاليس " فيرى أن مبدأ جميع هذه القوى هو القلب ، إلا أن لظهور أفعالها الأوَلية هذه المبادئ المذكورة ، كما أن مبدأ الحس عند الأطباء هو الدماغ ، ثم لكل حاسة عضو مفرَد منه يظهر فعله ، ثم إذا فتش عن الواجب وحقق وجد الأمر على ما رآه " أرسطوطالس " دونهم . وتوجد أقاويلهم منتزعة من مقدمات مقنعة غير ضرورية ، إنما يتبعون فيها ظاهر الأمور . لكنّ الطبيب ليس عليه من حيث هو طبيب أن يتعرّف الحق من هذين الأمرين ، بل ذلك على الفيلسوف أو على الطبيعي . والطبيب إذا سلم له أن هذه الأعضاء المذكورة مبادٍ ما لهذه القوى فلا عليه فيما يحاوله من أمر الطب ، كانت هذه مستفادة عن مبدأ قبلها ، أو لم تكن ، لكن جهل ذلك مما لا يرخص فيه للفيلسوف . الفصل الثاني القوى الطبيعية المخدومة وأما القوى الطبيعية ، فمنها خادمة ، ومنها مخدومة . والمخدومة جنسان : جنس يتصرّف في الغذاء لبقاء الشخص وينقسم إلى نوعين : إلى الغاذية والنامية . وجنس يتصرف في : الغذاء لبقاء النوع وينقسم إلى نوعين : إلى المولدة والمصوَرة ، فأما القوة الغاذية فهي التي تحيل الغذاء إلى مشابهة المغتذي ليخلف بدل ما يتحلل . وأما النامية فهي الزائلة في أقطار الجسم على التناسب الطبيعي ليبلغ تمام النشء بما يدخل فيه من الغذاء ، والغاذية تخدم النامية ، والغاذية تورد الغذاء تارة مساوياً لما يتحلل ، وتارةً أنقص ، وتارةً أزيد ، والنمو أزيد ، والنمو لا يكون إلا بأن يكون الوارد أزيد من المتحلل ، إلا أنه ليس كل ما كان كذلك كان نمواً ، فإن السمن بعد الهزال في سن الوقوف هو من هذا القبيل وليس هو بنمو ، وإنما النموّ ما كان على تناسب طبيعي في جميع الأقطار ليبلغ به تمام النشء ، ثم بعد ذلك لا نمو البتة . وإن كان سمن كما أنه لا يكون قبل الوقوف ذيول وإن كان هزال على أن ذلك أبعد وعن الواجب أخرج . والغادية يتم فعلها بأفعال جزئية ثلاثة : أحدها : تحصيل جوهر البدن وهو الدم والخلط الذي هو بالقوة القريبة من الفعل شبيه بالعضو ، وقد تحل به كما يقع في علة تسمى " أطروفيا " . وهو عدم الغذاء . والثاني الإلزاق وهو أن يجعل هذا الحاصل غذاء بالفعل التام ، أي صائراً جزء عضو ، وقد يخل به كما في الاستسقاء اللحمي . والثالث التشبيه وهو أن يجعل هذا الحاصل عندما صار جزءا من العضو شبيهاً به من كل جهة حتى في قوامه ولونه ، وقد يخل به كما في